الكينا شَجَرُ الصُوفانية المُهيب
إجتماعية ثقافية فنية، تهتمُ في شؤونِ الأنثى والطفل والمجتمع والبيئة.
.
.

ناصر يعود - حول المسلسل الرمضاني - ناصر - هواء طلق.. للكاتب رشاد أبو شاور ..

   *هواء طلق..

                        **ناصر يعود؟

                 *رشاد أبوشاور

 

**بقليل من التحوير الجميل لأغنية رمضانية، يشدو بها في كّل عام الفنّان الكبير الراحل محمد عبد المطلّب، يمكن لمحبّي ( ناصر)، والمؤمنين بالعروبة، ومن تشكّل فلسطين لبّ تفكيرهم، أن ينشدوا :

ناصر جانا وفرحنا بو

وأغنية الأستاذ طلب يرحمه الله يقول مطلعها:

رمضان جانا وفرحنا بو

بعد غيابو   

وناصر لم يغب، فلا نكمل : ناصر جانا بعد غيابو

فناصر حاضر، بينما قادة وزعماء وحكّام ينطوي ذكرهم وهم أحياء بيولوجيّا، ولا تبقى منهم سوى أرقام ماليّة في البنوك يتنازع عليها الورثة.

ناصر في رمضان هذا العام، يعود ليلتقي به ملايين العرب الذين عاشوا زمنه، ناهيك عن أبناء الأجيال العربيّة التي سمعت عنه، ولكنها لم تعرف عن حياته ومعاركه وأفكاره سوى النزر اليسير، بفضل التعتيم الرسمي.

يعود ناصر ليطّل في رمضان هذا العام عبر فضائيّات عربيّة قليلة، ساردا حياةً ملحميّة لقائد تداخلت حياته الشخصيّة بحياة أمته على مدى عقود، منذ ولادته عام1918، حتى رحيله في 28 أيلول 1970.

الفضائيّات النفطيّة التي احتفت ب(الملك فاروق) العام الماضي، لم يكن متوقعا منها أن تعرض ( ناصر) هذا العام، فهو بالنسبة لمموليها (عدو) في حياته و( رحيله)، وأفكاره التي ما زالت تقلقهم، وتؤرّقهم، وتلاحقهم، يستحيل أن يروّجوا لها بعرض مسلسل يعيد التذكير بها، ويلهم أجيالاً تشعر بالغربة في (أوطانها)، وتنغلق أمامها دروب المستقبل.

يعرف القائمون على الفضائيات التي غامرت بعرض ناصر أنه سيربّحهم، ويجذب لهم جمهورا جّادا، لا يبحث عن التسليّة.

ناصر من إخراج الموهوب باسل الخطيب، خريّج المدرسّة الروسيّة التي تعنى بالمشهديّة، والذهاب إلى الفضاءات المفتوحة، وتقديم أعمال ملحميّة، المسيّس والمثقّف على يدي والده شاعر فلسطين الكبير يوسف الخطيب، والذي بلقائه مع سيناريست كبير، صاحب موقف هو يسري الجندي، أنجزا معا هذا العام حدثا فنيّا هو بمثابة مغامرة وتحد...

عندما علمت بنيّة باسل الخطيب بإخراج ناصر خشيت عليه، فهو هنا يدخل  في مواجهة فنيّة، سياسيّة، فكريّة، وفي هذا التحدّي سيتّحد ضده الإقليميّون، والنفطيّون، وعديمو المواقف، والمنتفعون، والمتآمرون على فلسطين وشعبها، وشرائح الفساد لا في مصر وحدها بل في أقطار عربيّة عدّة.

ناصر يعني الخطاب التحرري المقاوم، يعني إنصاف الفقراء وتعليم أبنائهم، يعني تحالف الشعب العامل، لا تحالف قيادات الراقصات والنهب وبيع الوطن، وحصار شعب فلسطين، والانحياز للحقبة الأمريكيّة، وتحويل مصر من بلد قائد إلى كومبارس.

ناصر يعني استنفار مثقفي التبعيّة والمارينز، والمروّجين لاحتلال العراق، والعدوان على لبنان...

اختار باسل الخطيب طاقم فنانين موهوبين لعمله الكبير، يتقدمهم مؤدي دور جمال عبد الناصر الفنّان الشّاب مجدي كامل، الذي من هذا العمل الكبير بزغت نجوميّته، هو الذي شكّل اختياره تحدًّ كونه ليس من نجوم الصّف الأوّل المشهورين.  في هذا العمل يتعرّف المشاهد على سي خليل عمّ الرئيس ناصر، الذي يلعب دوره الفنّان صلاح عبد الله .  والد الرئيس ناصر يؤدّيه الفنّان محمد توفيق بحسّاسيّة عالية، وبمعرفة عميقة بشخصيّة أب مكافح ، ربّى أبناءه على عفّة النفس، وتحمّل شقاء حياة قاسية عاشها مع أسرته في شظف العيش وبؤسه. زوجة العّم خليل أدّتها الفنّانة المتألقّة سوسن بدر التي تحضر بطلّتها (المصريّة) الطيبّة، وحنوّها على جمال الفتى المتغرّب عن بيت أبيه وأسرته، فتملأ حياته بحدبها عليه بعد وفاة أمّه في عّز شبابها، وتعوّض به عن عجزها عن الإنجاب. الفنّانة شيرين تؤدّي دور زوجة والد جمال عبد الناصر، وهو دور جدّي جديد عليها، يكشف عن قدرات لديها بعيدة عن أدوار الإغراء والدلع التي برعت فيها مسرحيّا وسينمائيّا وتلفزيّا .

ناصر يأتي هذا العام ومصر المحروسة تغرق في الكوارث التي يجرّها الفساد السياسي والاقتصادي والأخلاقي، من (العبّارة) إلى (سوزان)المغنيّة اللبنانيّة ضحيّة أحد حيتان الحزب الوطني _ الذين تجاوزوا حقبة القطط السمان _ إلى انهيار الجبل على مساكين عزبة بخيت بمنطقة (الدويقة)، التي اسمها أيضا(منشيّة ناصر)! والذين صرخ أحدهم مفجوعا : يمكن علشان اسمها منشيّة ناصر أهملونا! .. احنا من يوم ما راح ما شفناش مسؤول يسأل عننا !

مسلسل ناصر فّن وسياسة وثقافة وانتماء. فّن نظيف يحمل رسالة، يسهم في توعية ملايين العرب على حقائق طمسها من تسببوا بدفن مئات  الغلابى تحت كتل الصخور الهائلة، ومنعوا الكاميرات والمراسلين من التصوير_ بعد أن نقل الصحفي الشجاع حسين عبد الغني مدير مكتب الجزيرة بالصوت والصورة مشاهد الكارثة بعد وقوعها مباشرة ، وهو ما أجج غضب ملايين العرب داخل وخارج مصر، وكشف عورة نظام مهترىء يمّص دم هؤلاء الفقراء_ ونقل فضيحة الإهمال، ورمي فقراء المنطقة المنكوبة لمسؤولي الحزب الوطني بالحجارة !

ناصر يأتي متقشّفا، بسيطا، عميقا حّارا، واضحا، فلا قصور، ولا حريم، ولكنها حياة ووقائع تاريخ ما زلنا نعيش مؤثراته ونتائجه، في وطن يمور بالغضب من الأحزاب (الميّتة)، والقصر الفاسد المنتن، والاحتلال الإنكليزي، والإقطاع المتوحّش، والتآمر على الجيش الذي دفع به إلى حرب فلسطين ليموت في الميدان بدون جاهزيّة ولا سلاح، ضحيّة لسياسات استعراضيّة.

ناصر يعيد تعريف الأجيال بقائد لم تعرفه، فهو من (بني مّر) في الصعيد، وهو من عائلة فقيرة، والده عبد الناصر حسين عمل في (البوسطة) موظفا بسيطا، والدته ماتت وهو يقيم في بيت عمّه خليل طلبا للعلم وتخفيفا في نفقات الأسرة على الأب الموظف المحدود الدخل.

في قريته المتخلّفة وعى ناصر الصغير ظلم الإقطاع، وعندما كبر وسعى لدخول الجيش وفشل في المرّة الأولى اكتشف التمييز الاجتماعي بين أبناء الفلاّحين وأبناء الذوات.

عندما رأى الإنكليز يجثمون على صدر مصر، تعمّق وعيه بفساد الأحزاب (الميّتة)، والقصر، وبهذا الوعي خطا خطوات إلى الأمام، مهتديا بحّب مصر، وشعبها، وفداحة الظلم، ووعي تحالف أعداء الداخل والخارج .

في فلسطين انصقل وعي ناصر، وهو يعاني مع وحدات الجيش المصري في الميدان، من قلّة السلاح ، وترك الجيش بدون تموين، وزج وحداته في معارك بدون استطلاع، وبقليل من السلاح، واستشراء الكذب على شعب مصر بأن الجيش يحرر أرض فلسطين ، ويسجّل المآثر والانتصارات.

فلسطين المرجل فتحت البصيرة على جوانب كانت خافية، ودفعت بالضبّاط الشباب للتقدّم خطوات في تنظيم أنفسهم لإنقاذ مصر !

شاهدت حتى اليوم 15 حلقة من مسلسل ناصر، ولذا يمكنني القول بأنني أشاهد تحفة فنيّة، هي العلامة الفارقة في مسلسلات هذا العام، وأنني أتزوّد في كّل حلقة بتذوّق متعة فنيّة أبدعها سيناريو متقن، دقيق، واقعي، وإخراج ذكي يقود (العائلة) الفنيّة بسلاسة وألفة، حتى إنني أنسى أحيانا نفسي وأنا أتابع اجتماعات الضبّاط الأحرار، وحركة الحياة ومورانها في مصر الأربعينات والخمسينات...

ناصر في المسلسل إنسان مصري، ذكي، طيّب ، متواضع، متّقد الذهن، دافئ القلب مع أهله، وناسه، وزملائه ...

ربّما تكون مشكلة ( ناصر) المسلسل أنه لا يكفي لتقديم سيرة ناصر وزمنه في ثلاثين حلقة ..فهل سيكون هناك جزء ثان؟!

 يجئ(ناصر) هذا العام، ونظام الحكم الملكي في مصر، والحاشية، والفساد، وضعف الأحزاب وغياب دورها، وتفاقم الفقر والفساد والفضائح ..لا علاج لها سوى ثورة 23 تموّز جديدة!

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.